الكلمات | الخلطة وأثرها في إصلاح النفس (مع ترجمة EN) - الشيخ الدكتور محمد بن هادي المدخلي
0 مشاهدة · 25/05/2023#إصلاح النفس #التزكية #الأخلاق
تسجيل الدخول · سجّل الدخول لتقييد فوائدك على هذا الدرس.
- المتحدث :
- الشيخ العلامة محمد بن هادي المدخلي
- القسم :
- الآداب والأخلاق
- اللغة :
- العربية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله واصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد أيُّها الإخوة في الله : إنّ الإنسان في هذه الحياة الدنيا يحتاج إلى اصلاح حاله، فإذا صَلُح حاله في هذه الحياة الدنيا ، صَلُح مآله بإذن الله في الحياة الأخرى .
وهذه هي الوصية الأولى التي أُوصي نفسي بها وأياكم ، فعلى المسلم أن يحرص على ما يُصلِح حاله ، وصلاح الحال لا يتم إلّا بمراقبة النفس وإرشادها إلى ما ينفعها، ونهيها عما يهلكها ويوبقها من الغي وعصيان الرحمن - تبارك وتعالى - فهذا أول شيء ؛ والأمر الثاني الذي فيه صلاح الإنسان - بإذن الله تبارك وتعالى - : الأُلفة والرُّفقة ، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه لا يمكن أن يعيش بمفرده ، فلابد من أن يختلط بالناس ويحتك بهم ، ويعايشهم ، ويداخلهم، ويؤاكلهم ويشاربهم ويبايعهم ، ويشتري منهم ، فإذاً لابد من الخُلطة ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى العبد أن ينظر في هذه الخُلطة وسيأتي الكلام عنها ؛ والأمر الثالث : هو أن يكون عنده رصيد من الدين والدنيا ، أمّا من الدين : فيعرف به حقّ الله عليه ، ويعرف به حقّ الناس عليه ، وأمّا من الدنيا : فيسعى للاكتساب حتى يصون ماء وجهه عن الناس ، ويكون عفيفًا شريفًا ، وإذا كان كذلك صَلُحت له - إن شاء الله تعالى - له دنياه ، وإذا استقامت له دنياه فبإذن الله تعالى يسلم من الخضوع لمن لا يستحق، ويجانب من لا يستحق ، ويبتعد عمّن يجب عليه الابتعاد عنه ، فإذا كان كذلك عاش حُرًّا طليقاً يقول ما يدين الله به وما يعتقده ، وإذا كان كذلك فهذا هو الذي يكون - بإذن الله تبارك وتعالى – صالحاً حقّ الصلاح في هذه الدنيا ، و - بإذن الله تبارك وتعالى - يورثه ذلك اصلاح اخراه ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا واياكم جميعًا ؛ فأمّا المسألة الأولى وهي اصلاح النفس : فإنّ النفس التي هي مُطيعة إذا أطاعت مالكها ملكها وإذا أطاعها الإنسان ملكَته ، ومن لم يملك نفسه وملكته نفسه أوبقته، ولا يمكن حينئذٍ أن يعصي غيرها ، لأنّها قد استحكمت فيه فهي التي تجرُّه الى التلف والعطب والهلاك عياذًا بالله من ذلك .
وقد قال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره له وطاعة نفسه ممتنعة عليه ، فعلينا جميعاً معشر الأحبة - أن ننظر إلى هذا الباب ، باب معالجة أنفسنا وإقامتها على طاعة الله - تبارك وتعالى - ، يقول الشاعر :
أتطمع أن يطيعك قلب سُعدا وتزعم أنّ قلبك قد عصاك
فعلى العبد أن ينصح لنفسه، ويجنبها المهالك، وينظر إلى الأمور بحقائقها وعواقبها ، فيرى الرشد رشداً ويستحسنه ويأتيه ويفعله ، ويرى الغي غياً والمنكر منكرًا فيستقبحه ويبتعد عنه ، وهذا يكون من صدق النفس اذا سلمت من دواعي الهوى، ومن تفكّر أبصر - بإذن الله تبارك وتعالى - ، ومن أبصر قاد نفسه ، وذلك بأن يُسرع إلى الرشد ، ونفسه تنقاد فتُطيعه إذا أمرها ، وتنتهي عن الغي إذا زجرها ، وهكذا يكون من قبول النفس بحسب قِوامة صاحبها عليها ، فإذا وفّقه الله وكُفِيت منازعته للشهوات فهو الفائز بإذن الله ، قال الله جلّ وعلا : (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)) [سورة النساء]
فعلى العبد المسلم أن يبتعد عن الشهوات وأصحابها ، ومن باب أولى الشبهات وأصحابها، فإنّهم لا يريدون منك - أيها المسلم - إلّا أن تميل ، وإذا مِلت هلكت ، وليُعلَم أنّ للنفس آداب هي من تمام طاعتها وكمال مصلحتها ، فإذا راعاها العبد وقام على هذا الباب وأجبر نفسه على الآداب والأخلاق الحميدة فإنّه بإذن الله هو المُفلِح ، وإن لم يستطع في نفسه فهو في غيره من الأصحاب من باب أولى ؛ أمّا المسألة الثانية وهي : المُصاحبة والخُلطة للناس فإنّ هذا لابدّ منه للعبد ، فالعبد لابدّ أن يُخالط الناس وأن يُداخلهم ، وإذا داخلهم فالواجب عليه أن يُخالطهم على طاعة الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وألّا يُخالطهم على ما يهوون ، هذا أولاً، وليعلم أنه إذا فعل ذلك فإنّه سيُقابل بالأذية والحسد أحياناً ، فإذا لم يكن آلِفاً مألوفاً قائماً بأمر الله تخطّفته أيدي حُساده وتحكّم فيه أعداؤه ، فلن تسلم له النعمة ، وأما إذا كان آلِفًا مألوفًا يُرضي الناس برضى الله ، ويُسخطهم برضى الله ؛ فإنّهم لن يضروه بإذن الله شيئاً وسيُرضيهم عنه وإن سخطوا عليه في أول الأمر ، قال عليه الصلاة والسلام : (من أرضى الناس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس) رواه الترمذي ، فأنت محتاج إلى الإخوة الذين تألفهم وتعيش معهم ، لأنه بهم - بإذن الله - بعد نصرة الله تحصل النصرة لك على الأعداء ، وبهم بعد حفظ الله يحصل لك المنعة من الحُسّاد فتسلم لك النعمة وتصفو لك الإخوة التي تتقوى بها بعد الله جلّ وعلا ، ولكن إذا صَحِبت فاصحب الصالح .
وإذا صاحبت فاصحب ماجدًا **** ذا حياء وعفاف وكرم
قوله للشيء : لا إن قلت : لا **** واذا قلت : نعم قال : نعم
فالمؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وليُعلم أنّ خير الناس أنفعهم للناس ، فاذا كان ذلك انتقيت أصحابك على هذا النحو ، وأوصلت إليهم النفع بهذا السبب ، وهو الأخوة في الله ولله تبارك وتعالى ، وأسباب الأُلفة كثيرة ولكن أهمها : الدين ، وبعده يأتي النسب ، وبعد النسب تأتي المُصاهرة ، الدين معروف تآخي في الله وتحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله فإذا فعلت ذلك فإنما تُنال ولاية الله بذلك ، ومن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان ، وأمّا النسب فلا شك أن النسب يمنع الله به سبحانه وتعالى من الأعداء ، ابوك وجدك وأعمامك واخوانك وابناؤك ، تتقوى بهم بإذن الله بعد نصرة الله هم نُصرة لك، وهكذا المصاهرة : الذين تتزوج فيهم هم أصهارك ، فتحصل بينكم المودة والأُلفة بسبب المُصاهرة ودخولك بينهم بالرحم هذه ....
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله واصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد أيُّها الإخوة في الله : إنّ الإنسان في هذه الحياة الدنيا يحتاج إلى اصلاح حاله، فإذا صَلُح حاله في هذه الحياة الدنيا ، صَلُح مآله بإذن الله في الحياة الأخرى . وهذه هي الوصية الأولى التي أُوصي نفسي بها وأياكم ، فعلى المسلم أن يحرص على ما يُصلِح حاله ، وصلاح الحال لا يتم إلّا بمراقبة النفس وإرشادها إلى ما ينفعها، ونهيها عما يهلكها ويوبقها من الغي وعصيان الرحمن - تبارك وتعالى - فهذا أول شيء ؛ والأمر الثاني الذي فيه صلاح الإنسان - بإذن الله تبارك وتعالى - : الأُلفة والرُّفقة ، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه لا يمكن أن يعيش بمفرده ، فلابد من أن يختلط بالناس ويحتك بهم ، ويعايشهم ، ويداخلهم، ويؤاكلهم ويشاربهم ويبايعهم ، ويشتري منهم ، فإذاً لابد من الخُلطة ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى العبد أن ينظر في هذه الخُلطة وسيأتي الكلام عنها ؛ والأمر الثالث : هو أن يكون عنده رصيد من الدين والدنيا ، أمّا من الدين : فيعرف به حقّ الله عليه ، ويعرف به حقّ الناس عليه ، وأمّا من الدنيا : فيسعى للاكتساب حتى يصون ماء وجهه عن الناس ، ويكون عفيفًا شريفًا ، وإذا كان كذلك صَلُحت له - إن شاء الله تعالى - له دنياه ، وإذا استقامت له دنياه فبإذن الله تعالى يسلم من الخضوع لمن لا يستحق، ويجانب من لا يستحق ، ويبتعد عمّن يجب عليه الابتعاد عنه ، فإذا كان كذلك عاش حُرًّا طليقاً يقول ما يدين الله به وما يعتقده ، وإذا كان كذلك فهذا هو الذي يكون - بإذن الله تبارك وتعالى – صالحاً حقّ الصلاح في هذه الدنيا ، و - بإذن الله تبارك وتعالى - يورثه ذلك اصلاح اخراه ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا واياكم جميعًا ؛ فأمّا المسألة الأولى وهي اصلاح النفس : فإنّ النفس التي هي مُطيعة إذا أطاعت مالكها ملكها وإذا أطاعها الإنسان ملكَته ، ومن لم يملك نفسه وملكته نفسه أوبقته، ولا يمكن حينئذٍ أن يعصي غيرها ، لأنّها قد استحكمت فيه فهي التي تجرُّه الى التلف والعطب والهلاك عياذًا بالله من ذلك . وقد قال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره له وطاعة نفسه ممتنعة عليه ، فعلينا جميعاً معشر الأحبة - أن ننظر إلى هذا الباب ، باب معالجة أنفسنا وإقامتها على طاعة الله - تبارك وتعالى - ، يقول الشاعر : أتطمع أن يطيعك قلب سُعدا وتزعم أنّ قلبك قد عصاك فعلى العبد أن ينصح لنفسه، ويجنبها المهالك، وينظر إلى الأمور بحقائقها وعواقبها ، فيرى الرشد رشداً ويستحسنه ويأتيه ويفعله ، ويرى الغي غياً والمنكر منكرًا فيستقبحه ويبتعد عنه ، وهذا يكون من صدق النفس اذا سلمت من دواعي الهوى، ومن تفكّر أبصر - بإذن الله تبارك وتعالى - ، ومن أبصر قاد نفسه ، وذلك بأن يُسرع إلى الرشد ، ونفسه تنقاد فتُطيعه إذا أمرها ، وتنتهي عن الغي إذا زجرها ، وهكذا يكون من قبول النفس بحسب قِوامة صاحبها عليها ، فإذا وفّقه الله وكُفِيت منازعته للشهوات فهو الفائز بإذن الله ، قال الله جلّ وعلا : (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)) [سورة النساء] فعلى العبد المسلم أن يبتعد عن الشهوات وأصحابها ، ومن باب أولى الشبهات وأصحابها، فإنّهم لا يريدون منك - أيها المسلم - إلّا أن تميل ، وإذا مِلت هلكت ، وليُعلَم أنّ للنفس آداب هي من تمام طاعتها وكمال مصلحتها ، فإذا راعاها العبد وقام على هذا الباب وأجبر نفسه على الآداب والأخلاق الحميدة فإنّه بإذن الله هو المُفلِح ، وإن لم يستطع في نفسه فهو في غيره من الأصحاب من باب أولى ؛ أمّا المسألة الثانية وهي : المُصاحبة والخُلطة للناس فإنّ هذا لابدّ منه للعبد ، فالعبد لابدّ أن يُخالط الناس وأن يُداخلهم ، وإذا داخلهم فالواجب عليه أن يُخالطهم على طاعة الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وألّا يُخالطهم على ما يهوون ، هذا أولاً، وليعلم أنه إذا فعل ذلك فإنّه سيُقابل بالأذية والحسد أحياناً ، فإذا لم يكن آلِفاً مألوفاً قائماً بأمر الله تخطّفته أيدي حُساده وتحكّم فيه أعداؤه ، فلن تسلم له النعمة ، وأما إذا كان آلِفًا مألوفًا يُرضي الناس برضى الله ، ويُسخطهم برضى الله ؛ فإنّهم لن يضروه بإذن الله شيئاً وسيُرضيهم عنه وإن سخطوا عليه في أول الأمر ، قال عليه الصلاة والسلام : (من أرضى الناس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس) رواه الترمذي ، فأنت محتاج إلى الإخوة الذين تألفهم وتعيش معهم ، لأنه بهم - بإذن الله - بعد نصرة الله تحصل النصرة لك على الأعداء ، وبهم بعد حفظ الله يحصل لك المنعة من الحُسّاد فتسلم لك النعمة وتصفو لك الإخوة التي تتقوى بها بعد الله جلّ وعلا ، ولكن إذا صَحِبت فاصحب الصالح . وإذا صاحبت فاصحب ماجدًا **** ذا حياء وعفاف وكرم قوله للشيء : لا إن قلت : لا **** واذا قلت : نعم قال : نعم فالمؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وليُعلم أنّ خير الناس أنفعهم للناس ، فاذا كان ذلك انتقيت أصحابك على هذا النحو ، وأوصلت إليهم النفع بهذا السبب ، وهو الأخوة في الله ولله تبارك وتعالى ، وأسباب الأُلفة كثيرة ولكن أهمها : الدين ، وبعده يأتي النسب ، وبعد النسب تأتي المُصاهرة ، الدين معروف تآخي في الله وتحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله فإذا فعلت ذلك فإنما تُنال ولاية الله بذلك ، ومن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان ، وأمّا النسب فلا شك أن النسب يمنع الله به سبحانه وتعالى من الأعداء ، ابوك وجدك وأعمامك واخوانك وابناؤك ، تتقوى بهم بإذن الله بعد نصرة الله هم نُصرة لك، وهكذا المصاهرة : الذين تتزوج فيهم هم أصهارك ، فتحصل بينكم المودة والأُلفة بسبب المُصاهرة ودخولك بينهم بالرحم هذه ....
0 مشاهدة · 25/05/2023#إصلاح النفس #التزكية #الأخلاق
- المتحدث :
- الشيخ العلامة محمد بن هادي المدخلي
- القسم :
- الآداب والأخلاق
- اللغة :
- العربية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله واصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد أيُّها الإخوة في الله : إنّ الإنسان في هذه الحياة الدنيا يحتاج إلى اصلاح حاله، فإذا صَلُح حاله في هذه الحياة الدنيا ، صَلُح مآله بإذن الله في الحياة الأخرى . وهذه هي الوصية الأولى التي أُوصي نفسي بها وأياكم ، فعلى المسلم أن يحرص على ما يُصلِح حاله ، وصلاح الحال لا يتم إلّا بمراقبة النفس وإرشادها إلى ما ينفعها، ونهيها عما يهلكها ويوبقها من الغي وعصيان الرحمن - تبارك وتعالى - فهذا أول شيء ؛ والأمر الثاني الذي فيه صلاح الإنسان - بإذن الله تبارك وتعالى - : الأُلفة والرُّفقة ، فالإنسان مدنيٌّ بطبعه لا يمكن أن يعيش بمفرده ، فلابد من أن يختلط بالناس ويحتك بهم ، ويعايشهم ، ويداخلهم، ويؤاكلهم ويشاربهم ويبايعهم ، ويشتري منهم ، فإذاً لابد من الخُلطة ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى العبد أن ينظر في هذه الخُلطة وسيأتي الكلام عنها ؛ والأمر الثالث : هو أن يكون عنده رصيد من الدين والدنيا ، أمّا من الدين : فيعرف به حقّ الله عليه ، ويعرف به حقّ الناس عليه ، وأمّا من الدنيا : فيسعى للاكتساب حتى يصون ماء وجهه عن الناس ، ويكون عفيفًا شريفًا ، وإذا كان كذلك صَلُحت له - إن شاء الله تعالى - له دنياه ، وإذا استقامت له دنياه فبإذن الله تعالى يسلم من الخضوع لمن لا يستحق، ويجانب من لا يستحق ، ويبتعد عمّن يجب عليه الابتعاد عنه ، فإذا كان كذلك عاش حُرًّا طليقاً يقول ما يدين الله به وما يعتقده ، وإذا كان كذلك فهذا هو الذي يكون - بإذن الله تبارك وتعالى – صالحاً حقّ الصلاح في هذه الدنيا ، و - بإذن الله تبارك وتعالى - يورثه ذلك اصلاح اخراه ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا واياكم جميعًا ؛ فأمّا المسألة الأولى وهي اصلاح النفس : فإنّ النفس التي هي مُطيعة إذا أطاعت مالكها ملكها وإذا أطاعها الإنسان ملكَته ، ومن لم يملك نفسه وملكته نفسه أوبقته، ولا يمكن حينئذٍ أن يعصي غيرها ، لأنّها قد استحكمت فيه فهي التي تجرُّه الى التلف والعطب والهلاك عياذًا بالله من ذلك . وقد قال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره له وطاعة نفسه ممتنعة عليه ، فعلينا جميعاً معشر الأحبة - أن ننظر إلى هذا الباب ، باب معالجة أنفسنا وإقامتها على طاعة الله - تبارك وتعالى - ، يقول الشاعر : أتطمع أن يطيعك قلب سُعدا وتزعم أنّ قلبك قد عصاك فعلى العبد أن ينصح لنفسه، ويجنبها المهالك، وينظر إلى الأمور بحقائقها وعواقبها ، فيرى الرشد رشداً ويستحسنه ويأتيه ويفعله ، ويرى الغي غياً والمنكر منكرًا فيستقبحه ويبتعد عنه ، وهذا يكون من صدق النفس اذا سلمت من دواعي الهوى، ومن تفكّر أبصر - بإذن الله تبارك وتعالى - ، ومن أبصر قاد نفسه ، وذلك بأن يُسرع إلى الرشد ، ونفسه تنقاد فتُطيعه إذا أمرها ، وتنتهي عن الغي إذا زجرها ، وهكذا يكون من قبول النفس بحسب قِوامة صاحبها عليها ، فإذا وفّقه الله وكُفِيت منازعته للشهوات فهو الفائز بإذن الله ، قال الله جلّ وعلا : (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)) [سورة النساء] فعلى العبد المسلم أن يبتعد عن الشهوات وأصحابها ، ومن باب أولى الشبهات وأصحابها، فإنّهم لا يريدون منك - أيها المسلم - إلّا أن تميل ، وإذا مِلت هلكت ، وليُعلَم أنّ للنفس آداب هي من تمام طاعتها وكمال مصلحتها ، فإذا راعاها العبد وقام على هذا الباب وأجبر نفسه على الآداب والأخلاق الحميدة فإنّه بإذن الله هو المُفلِح ، وإن لم يستطع في نفسه فهو في غيره من الأصحاب من باب أولى ؛ أمّا المسألة الثانية وهي : المُصاحبة والخُلطة للناس فإنّ هذا لابدّ منه للعبد ، فالعبد لابدّ أن يُخالط الناس وأن يُداخلهم ، وإذا داخلهم فالواجب عليه أن يُخالطهم على طاعة الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وألّا يُخالطهم على ما يهوون ، هذا أولاً، وليعلم أنه إذا فعل ذلك فإنّه سيُقابل بالأذية والحسد أحياناً ، فإذا لم يكن آلِفاً مألوفاً قائماً بأمر الله تخطّفته أيدي حُساده وتحكّم فيه أعداؤه ، فلن تسلم له النعمة ، وأما إذا كان آلِفًا مألوفًا يُرضي الناس برضى الله ، ويُسخطهم برضى الله ؛ فإنّهم لن يضروه بإذن الله شيئاً وسيُرضيهم عنه وإن سخطوا عليه في أول الأمر ، قال عليه الصلاة والسلام : (من أرضى الناس بسخط الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس) رواه الترمذي ، فأنت محتاج إلى الإخوة الذين تألفهم وتعيش معهم ، لأنه بهم - بإذن الله - بعد نصرة الله تحصل النصرة لك على الأعداء ، وبهم بعد حفظ الله يحصل لك المنعة من الحُسّاد فتسلم لك النعمة وتصفو لك الإخوة التي تتقوى بها بعد الله جلّ وعلا ، ولكن إذا صَحِبت فاصحب الصالح . وإذا صاحبت فاصحب ماجدًا **** ذا حياء وعفاف وكرم قوله للشيء : لا إن قلت : لا **** واذا قلت : نعم قال : نعم فالمؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وليُعلم أنّ خير الناس أنفعهم للناس ، فاذا كان ذلك انتقيت أصحابك على هذا النحو ، وأوصلت إليهم النفع بهذا السبب ، وهو الأخوة في الله ولله تبارك وتعالى ، وأسباب الأُلفة كثيرة ولكن أهمها : الدين ، وبعده يأتي النسب ، وبعد النسب تأتي المُصاهرة ، الدين معروف تآخي في الله وتحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله فإذا فعلت ذلك فإنما تُنال ولاية الله بذلك ، ومن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان ، وأمّا النسب فلا شك أن النسب يمنع الله به سبحانه وتعالى من الأعداء ، ابوك وجدك وأعمامك واخوانك وابناؤك ، تتقوى بهم بإذن الله بعد نصرة الله هم نُصرة لك، وهكذا المصاهرة : الذين تتزوج فيهم هم أصهارك ، فتحصل بينكم المودة والأُلفة بسبب المُصاهرة ودخولك بينهم بالرحم هذه ....
التعليقات (0)
كن أول من يعلق.
التعليقات 0
سجّل الدخول للتعليق.
كن أول من يعلق.