0:00 / 0:00

إن أردت الفقه فهذان أمران تقوى بهما الملكة الفقهية | الشيخ #صالح_العصيمي

0 مشاهدة · 14‏/07‏/2024

قطوف العصيمي

تسجيل الدخول · سجّل الدخول لتقييد فوائدك على هذا الدرس.

القسم :
الفقه
اللغة :
العربية
ووقع سياقها هنا مجردة من الدليل بأخصر العبارات؛ لأن مما تقوى به الملكة الفقهية أمران رعيا في المختصرات: * أحدهما: إيجاز الكلام؛ فإن صناعة الفقه مبنية على الإيجاز، وأنت تجد متنا مختصرا يشرح في مجلدات كثيرة؛ كالذي تراه في «مختصر القدوري» عند الحنفية والشروح التي كتبت عليه، أو «مختصر الخرقي» عند الحنابلة والشروح التي كتبت عليه - وأشهرها «المغني» -؛ فهذا وذاك ونظائرهما في المذاهب المتبوعة تكون أصلا في أوراق يسيرة، ثم عند بسط القول فيها يكتب أهل العلم في بيانها مطولات تعد بالمجلدات. والمقصود من وضع الفقه على هذه الحال من اختصاره: تسهيل حفظه وإيصاله؛ فإن الكلام إذا جمع حفظ، وإذا بسط أضاع أوله آخره. فالعناية بالمختصرات يدعو إليها ما جبل الله – عز وجل - عليه الخلق من كون الكلام الجامع أوقع في قلوبهم وأنفع لهم. * والآخر: تجريدها عن الدليل؛ لأن مفتاح الفقه تصوير المسائل قبل معرفة الدلائل؛ فإنه إذا غلط في تصوير المسألة لم يقع الدليل موقعه. وأنا أضرب لك مثلا؛ وهو ما يذكره الفقهاء – رحمهم الله - في كل مذهب من كراهة ذكر الله – سبحانه وتعالى - في الخلاء؛ فإن هذه المسألة يتكلم فيها كثير من الناس، ولكنهم لا يحسنون تصويرها، فيجعلون أحكام ما يسمى عندنا اليوم بـ (الحمامات) كأحكام ما يذكره الفقهاء في بيت الخلاء = وهذا غلط؛ فإن بيت الخلاء عند الفقهاء فيما سلف في تاريخ الأمة كانت تحتبس فيه النجاسة ولا تخرج منه، بخلاف الواقع اليوم؛ فالواقع اليوم أن الأصل اندفاع النجاسة منه وعدم بقائها فيه بنقلها بماء كثير خارجه في المحال الموضوعة لجمعه التي تجعل في بيوت الناس خارجة عن أصل هذا البناء. فمن الغلط تصوير هذه المسألة وفق ما عليه أحوال الناس اليوم فيما يسمى بـ (الحمامات)، فبيت الخلاء عند المتقدمين صورته غير بيت الخلاء عند المتأخرين. ومثله: اسم (المصلى)؛ فهو في عرف الفقهاء: موضع ظاهر البلد خارج منه منفصل عنه، وليس موضعا يكون وسط البلد، والأول هو مقصود الشرع فيما رتب من الصلوات؛ لأن المقصود بإبرازه ظاهر البلد أن يبين خروج الناس إليه، ويظهر اجتماعهم فيه. فمثل هذا وذاك وغيرهما من أحكام الفقه غلط كثير من الناس في تصويرها اليوم وتنزيل الأحكام عليها؛ لأنهم شغلوا عن تصوير المسائل بغيرها. فمفتتح الفقه: تصوير المسائل، ويعين على هذا تجريد تلك المسائل من الدلائل، فإذا كمل تصور المسائل؛ جمل بعد ذلك معرفة الدلائل. أما مزاحمة تصوير المسائل بذكر الدلائل فهذا مما يوهن أصل الفقه؛ وهو تصور الأحكام الشرعية وفق ما قدرت عليه شرعا وعلقت به من صورها وعللها ومصالحها وأحكامها، فإذا وقر الفقه بمسائله المصورة في قلب المتعلم انتقل بعد ذلك إلى معرفة الدلائل. وأربى الناس سوءا في تلقي الفقه بأنهم لم يضموا إلى تصوير المسائل معرفة الدلائل فحسب؛ بل جمعوا إلى ذلك علما شائكا غائرا، وهو علم الخلاف؛ فتجد أحدهم يذكر المسألة، ثم يذكر دليلها، ثم يطنب في ذكر أقوال المذاهب الأخرى مع دلائلها؛ فلا يتخرج من ذلك فقيه؛ لأن هذه الحال تقطع عن استكمال الفقه كما ينبغي، فهي تجعل تصوير المسائل باهتا، وضبط الدلائل ضعيفا، ومعرفة الراجح مقرونا بقول هذا أو ذاك ممن لا يعول على ترجيحه؛ لفقده آلة الفقه التي كانت عند الأوائل غالبا. وطريق السلامة: أن يتلقى المتفقه المسائل الفقهية مصورة، ثم إذا قوي تصويره للمسائل وضبط وجوهها – كالذي ذكرناه في معنى (الخلاء) أو معنى (المصلى) – انتقل بعد ذلك إلى رتبة أخرى وهي رتبة معرفة الدلائل، فإذا أحكم معرفة الدلائل المتعلقة بالمسائل التي تلقاها في مذهب متبوع، ارتفع بعد ذلك إلى قوة أعظم تكون عنده؛ وهي النظر في الخلاف ومعرفة أدلة الأقوال الأخرى في المذاهب المتبوعة وما يترشح للترجيح من هذه الأقوال بدليله. فإذا أخذ الفقه على هذه الصفة قوي متلقيه فيه، وصار محكم البناء، وإذا مزج هذا بذاك أضاع المتفقه طريقه ولم يرجع بكبير علم.

ووقع سياقها هنا مجردة من الدليل بأخصر العبارات؛ لأن مما تقوى به الملكة الفقهية أمران رعيا في المختصرات: * أحدهما: إيجاز الكلام؛ فإن صناعة الفقه مبنية على الإيجاز، وأنت تجد متنا مختصرا يشرح في مجلدات كثيرة؛ كالذي تراه في «مختصر القدوري» عند الحنفية والشروح التي كتبت عليه، أو «مختصر الخرقي» عند الحنابلة والشروح التي كتبت عليه - وأشهرها «المغني» -؛ فهذا وذاك ونظائرهما في المذاهب المتبوعة تكون أصلا في أوراق يسيرة، ثم عند بسط القول فيها يكتب أهل العلم في بيانها مطولات تعد بالمجلدات. والمقصود من وضع الفقه على هذه الحال من اختصاره: تسهيل حفظه وإيصاله؛ فإن الكلام إذا جمع حفظ، وإذا بسط أضاع أوله آخره. فالعناية بالمختصرات يدعو إليها ما جبل الله – عز وجل - عليه الخلق من كون الكلام الجامع أوقع في قلوبهم وأنفع لهم. * والآخر: تجريدها عن الدليل؛ لأن مفتاح الفقه تصوير المسائل قبل معرفة الدلائل؛ فإنه إذا غلط في تصوير المسألة لم يقع الدليل موقعه. وأنا أضرب لك مثلا؛ وهو ما يذكره الفقهاء – رحمهم الله - في كل مذهب من كراهة ذكر الله – سبحانه وتعالى - في الخلاء؛ فإن هذه المسألة يتكلم فيها كثير من الناس، ولكنهم لا يحسنون تصويرها، فيجعلون أحكام ما يسمى عندنا اليوم بـ (الحمامات) كأحكام ما يذكره الفقهاء في بيت الخلاء = وهذا غلط؛ فإن بيت الخلاء عند الفقهاء فيما سلف في تاريخ الأمة كانت تحتبس فيه النجاسة ولا تخرج منه، بخلاف الواقع اليوم؛ فالواقع اليوم أن الأصل اندفاع النجاسة منه وعدم بقائها فيه بنقلها بماء كثير خارجه في المحال الموضوعة لجمعه التي تجعل في بيوت الناس خارجة عن أصل هذا البناء. فمن الغلط تصوير هذه المسألة وفق ما عليه أحوال الناس اليوم فيما يسمى بـ (الحمامات)، فبيت الخلاء عند المتقدمين صورته غير بيت الخلاء عند المتأخرين. ومثله: اسم (المصلى)؛ فهو في عرف الفقهاء: موضع ظاهر البلد خارج منه منفصل عنه، وليس موضعا يكون وسط البلد، والأول هو مقصود الشرع فيما رتب من الصلوات؛ لأن المقصود بإبرازه ظاهر البلد أن يبين خروج الناس إليه، ويظهر اجتماعهم فيه. فمثل هذا وذاك وغيرهما من أحكام الفقه غلط كثير من الناس في تصويرها اليوم وتنزيل الأحكام عليها؛ لأنهم شغلوا عن تصوير المسائل بغيرها. فمفتتح الفقه: تصوير المسائل، ويعين على هذا تجريد تلك المسائل من الدلائل، فإذا كمل تصور المسائل؛ جمل بعد ذلك معرفة الدلائل. أما مزاحمة تصوير المسائل بذكر الدلائل فهذا مما يوهن أصل الفقه؛ وهو تصور الأحكام الشرعية وفق ما قدرت عليه شرعا وعلقت به من صورها وعللها ومصالحها وأحكامها، فإذا وقر الفقه بمسائله المصورة في قلب المتعلم انتقل بعد ذلك إلى معرفة الدلائل. وأربى الناس سوءا في تلقي الفقه بأنهم لم يضموا إلى تصوير المسائل معرفة الدلائل فحسب؛ بل جمعوا إلى ذلك علما شائكا غائرا، وهو علم الخلاف؛ فتجد أحدهم يذكر المسألة، ثم يذكر دليلها، ثم يطنب في ذكر أقوال المذاهب الأخرى مع دلائلها؛ فلا يتخرج من ذلك فقيه؛ لأن هذه الحال تقطع عن استكمال الفقه كما ينبغي، فهي تجعل تصوير المسائل باهتا، وضبط الدلائل ضعيفا، ومعرفة الراجح مقرونا بقول هذا أو ذاك ممن لا يعول على ترجيحه؛ لفقده آلة الفقه التي كانت عند الأوائل غالبا. وطريق السلامة: أن يتلقى المتفقه المسائل الفقهية مصورة، ثم إذا قوي تصويره للمسائل وضبط وجوهها – كالذي ذكرناه في معنى (الخلاء) أو معنى (المصلى) – انتقل بعد ذلك إلى رتبة أخرى وهي رتبة معرفة الدلائل، فإذا أحكم معرفة الدلائل المتعلقة بالمسائل التي تلقاها في مذهب متبوع، ارتفع بعد ذلك إلى قوة أعظم تكون عنده؛ وهي النظر في الخلاف ومعرفة أدلة الأقوال الأخرى في المذاهب المتبوعة وما يترشح للترجيح من هذه الأقوال بدليله. فإذا أخذ الفقه على هذه الصفة قوي متلقيه فيه، وصار محكم البناء، وإذا مزج هذا بذاك أضاع المتفقه طريقه ولم يرجع بكبير علم.

التعليقات 0

سجّل الدخول للتعليق.

كن أول من يعلق.