الابتكار في العلم | الشيخ صالح العصيمي
0 مشاهدة · 21/01/2023
0 مشترك
تسجيل الدخول · سجّل الدخول لتقييد فوائدك على هذا الدرس.
- المتحدث :
- الشيخ صالح بن عبد الله العصيمي
- اللغة :
- العربية
وهذا الموضع من مشاهد تطور الترجمة عند فقهاء الحنابلة؛ فقد كان من تراجمهم: (باب صلاة المريض)، و(باب صلاة المسافر)، و(باب الجمع بين الصلاتين)، وبهذه الأبواب الثلاثة ترجم جماعة؛ منهم: الكلوذاني في «الهداية»، وابن تيمية الجد في «المحرر»، وابن حمدان في «الرعاية».
ثم هجرت هذه التراجم كلها، وحل محلها الترجمة المتقدمة: (باب صلاة أهل الأعذار).
وأقدم من ذكرها من فقهائنا - فيما وقفت عليه -: أبو محمد ابن قدامة في كتاب «المقنع»، وأطبق عليها المتأخرون.
فهي من مبتكرات أبي محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله التي افترعها، فلم يسبقه سابق إلى هذه الترجمة، ثم اقتدى به من بعده.
وهذا حذو ما وقع لأبي عبد الله ابن مالك صاحب «الألفية» في مواضع منها؛ فإنه ترجم بتراجم ذكر أنه مبتكرها؛ كقوله: (باب نائب الفاعل)؛ إذ كان النحاة قبله يسمونه: (باب المفعول الذي لم يسم فاعله)؛ فاختصره ابن مالك وعبر عنه بـ (باب نائب الفاعل).
ومن صنعة العلم: الابتكار فيه؛ بأن ينشئ متعاطي العلم - لحذقه وكمال فهمه - شيئا فيه لم يسبق إليه؛ وهذا أنواع منوعة:
فتارة يبتكر علما برأسه؛ كالمشهور نسبته إلى الشافعي أنه واضع علم أصول الفقه، وإليه أشار العلوي في «مراقي السعود» إذ قال:
أول من ألفه في الكتب
محمد بن شافع المطلبي
وغيره كان له سليقه
مثل الذي للعرب من خليقه
أي أن علم أصول الفقه كانت طبيعة مرتكزة في مدارك المتقدمين، ثم عبر عنها الشافعي بما عبر به من أبواب وبيان في كتاب «الرسالة»؛ فكان مبتكر علم أصول الفقه.
وتارة يتعلق الابتكار بترتيب العلم؛ كالذي وقع من أبي الحسن الدارقطني رحمه الله؛ فإن القراء قبله كانوا لا يميزون صنعة القراءات بالتفريق بين أصولها وفرشها؛ فكان أول من رتب القراءات بتقديم أصولها، ثم إتباع الأصول بالفرش، وبه اقتدى من بعده.
وتارة يقع الابتكار في ترجمة من التراجم المتعلقة بعلم من العلوم؛ كالذي ذكرناه هنا عن أبي محمد ابن قدامة، وأبي عبد الله ابن مالك.
وتارة يرجع الابتكار إلى مسألة واحدة من مسائل باب ما؛ كالمذكور في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي - أحد التابعين - أنه أول من جرى لسانه بتسمية ما لا دم له بأنه (ما لا نفس له سائلة).
فهذا وأشباهه - مما وقع من الشافعي والدارقطني وأبي محمد ابن قدامة وأبي عبد الله بن مالك وإبراهيم النخعي؛ مما يتعلق تارة بابتكار علم، أو ابتكار ترتيب علم، أو ابتكار ترجمة، أو ابتكار مسألة - كله من شواهد جريان الحذق والفهم في صناعة العلم؛ فإن العلم ميراث النبوة، وهو أشرف ما تعلق به الفهم والإدراك، وبه تفاضل الناس بعد نبيهم ﷺ، وأكملهم من شرفه الله بالعلم النافع والعمل الصالح، وظهر نفعه للناس.
فينبغي أن يعرف المرء للأولين قدرهم في العلوم، وأنهم تكلموا ببصر وعلم، وأوتوا علوما وفهوما وزكاة وطهرا؛ فجدير به أن يقتدي بهم، عسى أن يلتحق بهم في الابتكار بالعلم.
ثم يدرك المرء بعد أن الابتكار في العلم لا ساحل له، وأنه لا ينتهي إلى شيء مع كونه مضبوطا بأصول وشروط - ليس هذا مقامها -، لكن المقصود: تحقيق صحة قول القائل: (كم ترك الأول للآخر!).
وهذا ظاهر في إلحاق أنواع من علوم الحديث زيادة على ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في «مقدمته»؛ فإن من جاء بعده - كالزين العراقي، وأبي الفضل ابن حجر، وابن ناصر الدين، والسيوطي، في جماعة آخرين - ذكروا أنواعا أخرى لم يذكرها أبو عمرو ابن الصلاح.
ومثله - وأكثر - في (علم البديع) - من علوم البلاغة الثلاثة -؛ فإن أنواع (البديع) لم يزل المتعاطون صناعة البلاغة يزيدون عليها واحدا بعد واحد، وربما زاد بعضهم أنواعا كثيرة؛ كالذي اتفق لأبي الفضل السيوطي - وكان مجتهدا في علوم العربية، ومنها (علوم البلاغة).
فينبغي أن تسمو همة أحدنا إلى هذا المقام الأرفع، مع تحققه بآلته، ومعرفته قدر من سبقه، وإدراكه بأن صنعة العلم صنعة شريفة، ليست منتهية إلى حد تتكدر به الأفهام وتتوقف به الأذهان؛ بل هي مادة نضاحة لمن وهبه الله سبحانه وتعالى فهما؛ فجدير به أن يبذل جهدا في فهمها، واستخراج مدارك أهلها.
وهذا الموضع من مشاهد تطور الترجمة عند فقهاء الحنابلة؛ فقد كان من تراجمهم: (باب صلاة المريض)، و(باب صلاة المسافر)، و(باب الجمع بين الصلاتين)، وبهذه الأبواب الثلاثة ترجم جماعة؛ منهم: الكلوذاني في «الهداية»، وابن تيمية الجد في «المحرر»، وابن حمدان في «الرعاية». ثم هجرت هذه التراجم كلها، وحل محلها الترجمة المتقدمة: (باب صلاة أهل الأعذار). وأقدم من ذكرها من فقهائنا - فيما وقفت عليه -: أبو محمد ابن قدامة في كتاب «المقنع»، وأطبق عليها المتأخرون. فهي من مبتكرات أبي محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله التي افترعها، فلم يسبقه سابق إلى هذه الترجمة، ثم اقتدى به من بعده. وهذا حذو ما وقع لأبي عبد الله ابن مالك صاحب «الألفية» في مواضع منها؛ فإنه ترجم بتراجم ذكر أنه مبتكرها؛ كقوله: (باب نائب الفاعل)؛ إذ كان النحاة قبله يسمونه: (باب المفعول الذي لم يسم فاعله)؛ فاختصره ابن مالك وعبر عنه بـ (باب نائب الفاعل). ومن صنعة العلم: الابتكار فيه؛ بأن ينشئ متعاطي العلم - لحذقه وكمال فهمه - شيئا فيه لم يسبق إليه؛ وهذا أنواع منوعة: فتارة يبتكر علما برأسه؛ كالمشهور نسبته إلى الشافعي أنه واضع علم أصول الفقه، وإليه أشار العلوي في «مراقي السعود» إذ قال: أول من ألفه في الكتب محمد بن شافع المطلبي وغيره كان له سليقه مثل الذي للعرب من خليقه أي أن علم أصول الفقه كانت طبيعة مرتكزة في مدارك المتقدمين، ثم عبر عنها الشافعي بما عبر به من أبواب وبيان في كتاب «الرسالة»؛ فكان مبتكر علم أصول الفقه. وتارة يتعلق الابتكار بترتيب العلم؛ كالذي وقع من أبي الحسن الدارقطني رحمه الله؛ فإن القراء قبله كانوا لا يميزون صنعة القراءات بالتفريق بين أصولها وفرشها؛ فكان أول من رتب القراءات بتقديم أصولها، ثم إتباع الأصول بالفرش، وبه اقتدى من بعده. وتارة يقع الابتكار في ترجمة من التراجم المتعلقة بعلم من العلوم؛ كالذي ذكرناه هنا عن أبي محمد ابن قدامة، وأبي عبد الله ابن مالك. وتارة يرجع الابتكار إلى مسألة واحدة من مسائل باب ما؛ كالمذكور في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي - أحد التابعين - أنه أول من جرى لسانه بتسمية ما لا دم له بأنه (ما لا نفس له سائلة). فهذا وأشباهه - مما وقع من الشافعي والدارقطني وأبي محمد ابن قدامة وأبي عبد الله بن مالك وإبراهيم النخعي؛ مما يتعلق تارة بابتكار علم، أو ابتكار ترتيب علم، أو ابتكار ترجمة، أو ابتكار مسألة - كله من شواهد جريان الحذق والفهم في صناعة العلم؛ فإن العلم ميراث النبوة، وهو أشرف ما تعلق به الفهم والإدراك، وبه تفاضل الناس بعد نبيهم ﷺ، وأكملهم من شرفه الله بالعلم النافع والعمل الصالح، وظهر نفعه للناس. فينبغي أن يعرف المرء للأولين قدرهم في العلوم، وأنهم تكلموا ببصر وعلم، وأوتوا علوما وفهوما وزكاة وطهرا؛ فجدير به أن يقتدي بهم، عسى أن يلتحق بهم في الابتكار بالعلم. ثم يدرك المرء بعد أن الابتكار في العلم لا ساحل له، وأنه لا ينتهي إلى شيء مع كونه مضبوطا بأصول وشروط - ليس هذا مقامها -، لكن المقصود: تحقيق صحة قول القائل: (كم ترك الأول للآخر!). وهذا ظاهر في إلحاق أنواع من علوم الحديث زيادة على ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في «مقدمته»؛ فإن من جاء بعده - كالزين العراقي، وأبي الفضل ابن حجر، وابن ناصر الدين، والسيوطي، في جماعة آخرين - ذكروا أنواعا أخرى لم يذكرها أبو عمرو ابن الصلاح. ومثله - وأكثر - في (علم البديع) - من علوم البلاغة الثلاثة -؛ فإن أنواع (البديع) لم يزل المتعاطون صناعة البلاغة يزيدون عليها واحدا بعد واحد، وربما زاد بعضهم أنواعا كثيرة؛ كالذي اتفق لأبي الفضل السيوطي - وكان مجتهدا في علوم العربية، ومنها (علوم البلاغة). فينبغي أن تسمو همة أحدنا إلى هذا المقام الأرفع، مع تحققه بآلته، ومعرفته قدر من سبقه، وإدراكه بأن صنعة العلم صنعة شريفة، ليست منتهية إلى حد تتكدر به الأفهام وتتوقف به الأذهان؛ بل هي مادة نضاحة لمن وهبه الله سبحانه وتعالى فهما؛ فجدير به أن يبذل جهدا في فهمها، واستخراج مدارك أهلها.
0 مشاهدة · 21/01/2023
- المتحدث :
- الشيخ صالح بن عبد الله العصيمي
- اللغة :
- العربية
وهذا الموضع من مشاهد تطور الترجمة عند فقهاء الحنابلة؛ فقد كان من تراجمهم: (باب صلاة المريض)، و(باب صلاة المسافر)، و(باب الجمع بين الصلاتين)، وبهذه الأبواب الثلاثة ترجم جماعة؛ منهم: الكلوذاني في «الهداية»، وابن تيمية الجد في «المحرر»، وابن حمدان في «الرعاية». ثم هجرت هذه التراجم كلها، وحل محلها الترجمة المتقدمة: (باب صلاة أهل الأعذار). وأقدم من ذكرها من فقهائنا - فيما وقفت عليه -: أبو محمد ابن قدامة في كتاب «المقنع»، وأطبق عليها المتأخرون. فهي من مبتكرات أبي محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله التي افترعها، فلم يسبقه سابق إلى هذه الترجمة، ثم اقتدى به من بعده. وهذا حذو ما وقع لأبي عبد الله ابن مالك صاحب «الألفية» في مواضع منها؛ فإنه ترجم بتراجم ذكر أنه مبتكرها؛ كقوله: (باب نائب الفاعل)؛ إذ كان النحاة قبله يسمونه: (باب المفعول الذي لم يسم فاعله)؛ فاختصره ابن مالك وعبر عنه بـ (باب نائب الفاعل). ومن صنعة العلم: الابتكار فيه؛ بأن ينشئ متعاطي العلم - لحذقه وكمال فهمه - شيئا فيه لم يسبق إليه؛ وهذا أنواع منوعة: فتارة يبتكر علما برأسه؛ كالمشهور نسبته إلى الشافعي أنه واضع علم أصول الفقه، وإليه أشار العلوي في «مراقي السعود» إذ قال: أول من ألفه في الكتب محمد بن شافع المطلبي وغيره كان له سليقه مثل الذي للعرب من خليقه أي أن علم أصول الفقه كانت طبيعة مرتكزة في مدارك المتقدمين، ثم عبر عنها الشافعي بما عبر به من أبواب وبيان في كتاب «الرسالة»؛ فكان مبتكر علم أصول الفقه. وتارة يتعلق الابتكار بترتيب العلم؛ كالذي وقع من أبي الحسن الدارقطني رحمه الله؛ فإن القراء قبله كانوا لا يميزون صنعة القراءات بالتفريق بين أصولها وفرشها؛ فكان أول من رتب القراءات بتقديم أصولها، ثم إتباع الأصول بالفرش، وبه اقتدى من بعده. وتارة يقع الابتكار في ترجمة من التراجم المتعلقة بعلم من العلوم؛ كالذي ذكرناه هنا عن أبي محمد ابن قدامة، وأبي عبد الله ابن مالك. وتارة يرجع الابتكار إلى مسألة واحدة من مسائل باب ما؛ كالمذكور في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي - أحد التابعين - أنه أول من جرى لسانه بتسمية ما لا دم له بأنه (ما لا نفس له سائلة). فهذا وأشباهه - مما وقع من الشافعي والدارقطني وأبي محمد ابن قدامة وأبي عبد الله بن مالك وإبراهيم النخعي؛ مما يتعلق تارة بابتكار علم، أو ابتكار ترتيب علم، أو ابتكار ترجمة، أو ابتكار مسألة - كله من شواهد جريان الحذق والفهم في صناعة العلم؛ فإن العلم ميراث النبوة، وهو أشرف ما تعلق به الفهم والإدراك، وبه تفاضل الناس بعد نبيهم ﷺ، وأكملهم من شرفه الله بالعلم النافع والعمل الصالح، وظهر نفعه للناس. فينبغي أن يعرف المرء للأولين قدرهم في العلوم، وأنهم تكلموا ببصر وعلم، وأوتوا علوما وفهوما وزكاة وطهرا؛ فجدير به أن يقتدي بهم، عسى أن يلتحق بهم في الابتكار بالعلم. ثم يدرك المرء بعد أن الابتكار في العلم لا ساحل له، وأنه لا ينتهي إلى شيء مع كونه مضبوطا بأصول وشروط - ليس هذا مقامها -، لكن المقصود: تحقيق صحة قول القائل: (كم ترك الأول للآخر!). وهذا ظاهر في إلحاق أنواع من علوم الحديث زيادة على ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في «مقدمته»؛ فإن من جاء بعده - كالزين العراقي، وأبي الفضل ابن حجر، وابن ناصر الدين، والسيوطي، في جماعة آخرين - ذكروا أنواعا أخرى لم يذكرها أبو عمرو ابن الصلاح. ومثله - وأكثر - في (علم البديع) - من علوم البلاغة الثلاثة -؛ فإن أنواع (البديع) لم يزل المتعاطون صناعة البلاغة يزيدون عليها واحدا بعد واحد، وربما زاد بعضهم أنواعا كثيرة؛ كالذي اتفق لأبي الفضل السيوطي - وكان مجتهدا في علوم العربية، ومنها (علوم البلاغة). فينبغي أن تسمو همة أحدنا إلى هذا المقام الأرفع، مع تحققه بآلته، ومعرفته قدر من سبقه، وإدراكه بأن صنعة العلم صنعة شريفة، ليست منتهية إلى حد تتكدر به الأفهام وتتوقف به الأذهان؛ بل هي مادة نضاحة لمن وهبه الله سبحانه وتعالى فهما؛ فجدير به أن يبذل جهدا في فهمها، واستخراج مدارك أهلها.
التعليقات (0)
كن أول من يعلق.
التعليقات 0
سجّل الدخول للتعليق.
كن أول من يعلق.